الثلاثاء، ٩ أكتوبر ٢٠٠٧

محمود محمد شاكر و مجلة العصور

(6)
ذكريات مطوية
محمود محمد شاكر ومجلة العصور
بقلم محمود البدوى

التقيت بالأستاذ محمود محمد شاكر فى مجلة الرسالة للزيات فى أول عهدها بالصدور .. وكانت فى حى عابدين .. وكان الزوار من الأدباء والشعراء قلة .. لأن الأستاذ الزيات يريد أن يتفرغ لعمله الذى يقوم به وحده .. ولأن معظم المقالات ترد بالبريد .. والبريد مفخرة لمصر فى الدقة والنظام ..

وفى هذا الجو الهادىء تحدثت مع الأستاذ شاكر .. وتفتحت نفسى له .. وتعدد اللقاء .. ثم أصبحت أزوره فى بيته ..

وكان يسكن فى ذلك الوقت فى أقصى أطراف ضاحية مصر الجديدة من الناحية الغربية .. وكان بيته نهاية البيوت فى تلك المنطقة .. وأمامه فضاء واسع .. ورمال بيضاء شهباء لاتغفل عنها عين الشمس ..
ثم خزانات المياة التى تغذى الضاحية الجميلة ..

والجلوس فى شرفته بعد غروب شمس الصيف .. متعة للبصر وراحة للنفس .. فمن هذا الفضاء الفسيح تهب نسمات الغروب منعشة وصافية وطليقة لا تحدها عمارات ولا مداخن .. ولا يزعج المتأمل فى السكون الشامل .. ضجيج السيارات ولا زعيق الباعة ..

ان هذا الشارع يسمى الآن شارع عبد العزيز فهمى .. ويسير فيه المترو المسمى بنفس الاسم إلى أطراف واحة عين شمس ..!

وكان الأستاذ شاكر يقيم فى الطابق الرابع إذا أغفلنا الأرضى ..

وفى شرفته الواسعة المطلة على الصحراء .. جلسنا وشربنا الشاى وتحدثنا عن الأدب ورجاله .. وكان يقوم على خدمته طباخ فوق الخمسين من عمره .. كان فى بيت والده وأخذه الأستاذ شاكر بعد وفاة المرحوم الوالد .. وأبقاه عنده .. ولحرص الأستاذ على كتبه العربية النادرة والوثائق الأدبية التى لا تقدر بثمن .. كان من العسير عليه أن يستخدم غيره فى بيته .. والكتب تملأ الصالة ، وحجرات المنزل من الأرض إلى السقف .. وكان المكتب فى حجرة على يسار الداخل وفيها يطالع ، ويكتب لقراء العربية روائعه ..

وكنت اصطحب معى فى الزيارة التى كانت تحدث غالبا مع غروب شمس يوم الجمعة وفى أيام غير متقاربة .. المرحوم الدكتور أحمد عبد المنعم البهى الأستاذ السابق بكلية الشريعة جامعة الأزهر .. والذى كان سكرتيرا لتحرير جريدة المصرى حتى وهو طالب ..
كنت أصطحبه أو أرافق المرحوم هلال شتا الموظف بمجلس الأمة ..

وكان الاثنان من أشد الناس اعجابا بالأستاذ شاكر فيما ينشره بالمقتطف والرسالة ..

وكنا نجد عنده الشاعر محمود حسن اسماعيل .. وكان قليل الحديث سارحا فى تأملاته .. ولا نرى فيه إلا شعرا هائجا منفوشا وعينين حمراوين تدوران كالزئبق الرجراج ..

وقد رافقنى المرحوم محمود حسن اسماعيل .. والشاعر الفنان صلاح عبد الصبور فى بعثة ثقافية عام 1973 إلى تفليس .. والشاعران صديقان حميمان من قديم الزمن .. وكنت أحسبنى سأكون دخيلا عليهما فى هذه البعثة .. ولهذا شعرت بالتحفظ الذى هو من أخص طباعى .. ولكن بعد ساعة واحدة من وصولنا إلى هناك وجدت فيها من نبالة النفس ، وسماحة الخلق .. ما يجل عن الوصف .. وكان صلاح عبد الصبور من الكرم الحاتمى إلى الحد الذى جعلنى أسأله هل هو شرقاوى أو صعيدى ، فإذا هو يجمع بين الاثنين معا !!..

فقد غطى كرمه وتفتحه النفسى على الوفد الذى معه .. " وكنا نرى فى وجوه المسلمين فى تفليس السرور الذى شاهدوه فى أعيننا وقلوبنا .. ولما دخلنا المسجد فوق الربوة التى غطتها الثـلوج .. انزوى محمود حسن اسماعيل فى ركن وتوهجت عيناه .. وعند ئذ أدركت أن هاجسه الشعرى قد هبط وتملكه ..

وكان الأستاذ شاكر يقول لنا .. بعد شرب الشاى .. وصلتنى اليوم قصة من يحيى .. يقصد الأستاذ يحيى حقى .. ( وكان وقتها فى الخارج بالسلك السياسى ) .. وكان يحيى يبعث له بالبريد قصة .. لنشرها فى المجلة التى يختارها الأستاذ شاكر ..
ولا يزال يردد .. يحيى قال .. يحيى فعل ..

وكان الأستاذ شاكر معجبا بصديقه يحيى إلى الحد الذى يتصور معه المستمع أنه لايوجد كاتب فى مصر يكتب القصة مثل يحيى حقى ..

والأستاذ شاكر رهين كتبه وهو مثل الجاحظ لايبرح بيته إلا نادرا .. ولكنا لسبب لا نعرفه أصبحنا نتلاقى فى قهوة بور فؤاد ثم فى قهوة بشارع دوبريه ( تحولت الآن إلى متجر ) وكان يحيى حقى .. يجيىء فى الأجازات إلى هذه القهوة ..

وقد رأيته لأول مرة فألفيته وديعا رضيا قليل الكلام .. ولا أدرى كيف انطلق فى هذه الأيام وأصبح من خطباء الإذاعة ..!!

وفى القهوة انضم إلينا طبيب الأسنان الدكتور رمزى مفتاح والمرحوم غريب والشاعر أحمد فتحى مرسى .. ورفيقه فى زمالة الحقوق والشعر الشاعر إبراهيم طلعت .. كلما جاء من الإسكندرية لعمل فى القاهرة .

وكان الدكتور رمزى يحضر بعد انتهاء عمله فى العيادة .. وحديثنا يدور عن الكتب الجديدة .. وكان الكثير منها للعقاد والمازنى .. وكان الدكتور رمزى .. وغريب لا يحبان العقاد كشاعر وينتقصان منه .. وأنا وهلال وفتحى مرسى وطلعت .. ندافع عنه بحرارة ككاتب وشاعر من أفذاذنا ومفاخرنا .. وقال لى هلال .. " إن غريب يكره العقاد .. لأنه اشتغل فى جريدة فيها العقاد .. وكان العقاد السبب فى نقص أجره الشهرى .. فحملها له وظل يحملها " ..

وكان غريب هجاءً من طراز نادر .. كما كان السبب فى غلق الكثير من الصحف والمجلات أيام صدقى باشا والوفد .. وقد جر معه المرحوم هلال .. الذى كان موظفا فى مجلس الأمة .. وكان يكتب معه المقالات السياسية ويوقعها باسم مستعار ..

وكانت هذه المجلات تصادر جميعها .. ولا تعيش أكثر من أسبوع .. الصـاعقة .. الضحى .. وغيرهما كثير .. وفى مجلة من هذه المجلات كتب " جبان خسيس " .. تحت رسم للرسام رخا .. سبا قذرًا فى صدقى باشا .. وظهر العدد وفيه هذه السبة الوقحة وسجن بسببها رخا خمس سنوات ..

وإلى اليـوم لا يعرف رخا .. ولا صاحب المجلة .. ولا المحررون فيها .. ولا عمال الطباعة .. من الذى كتب هذه السبة اللعينة ..

وما أصاب رخا .. أصاب المرحـوم هلال ولكن بطريقة أخرى .. اخف من السجن .. فقد مر السكرتير العام للمجلس الذى يعمل فيه هلال ( والمجلس وقتها وفدى والحكومة وفدية ) .. مر فى صباح يوم على مكتب هلال ( بعد وشاية من زميل ) فوجده يكتب بداية لمقال سياسى عنوانه " تحت اللواء " .. فالتقط المقال بخفة الثعلب .. ونقل هلال من مجلس الأمة .. إلى كاتب قيودات فى أرشيف مديرية الجيزة .. وقد لاقى المسكين العذاب الأكبر من جراء هذا النقل .. وقد استغرقته فحولته عن الأدب مع أنه بدأ بداية طيبة وكان يمكن أن يكون له شأن لو استمر فى طريقه الأول ..

وتحت اللواء يعنى تحت العلم المصرى .. ولا أدرى الذى كتب فى سياق المقال ، وكان السبب فى العقاب ..!

ولم تكن هذه الحوادث درسًا ملموسًا لى لأبتعد عن السياسة وعن الكتابة فى هذه المجلات .. فأنا بطبعى وتكوينى الخلقى لا أحب السياسة ولا الأحزاب وأكرهها كره الأعمى للحفر فى الطريق .. ولا يمكن لإنسان يحب العزلة ليقرأ ويكتب أن يشترك مع الجماهير فى ضجيجها وصخبها .. على أى صورة من الصور .. وحب الوطن ومن خدمه بإخلاص وأمانة من رجالنا الأفذاذ عبر التاريخ كله .. سيظل محل الاحترام والتقديس ما دامت الحياة ..

وأبطالى مصريون خلص .. وما أشرت فى أية قصة من قصصى إلى شخصية وفدية أو سعدية أو خلافهما .. فالذى يجابه الاستعمار ويحـاربه أيام الاستعمار الإنجليزى هو مصرى خالص المصرية ..

وكان غريب الذى درس فى الأزهر .. متفقا فى المشارب والذوق الأدبى واختيار أروع القصص .. مع الدكتور رمزى الذى درس فى طب الأسنان بمصر .. وسافر كثيرا إلى لندن .. وليس فى هذا غرابة .. فالذوق السليم يأتى من الفطرة .. وبالسليقة ..

وكلما كان الإنسان عميق التفكير .. بعُد نظره وحسن اختياره ، ولهذا التوافق فى المشارب ، كان الاثنان لا يفترقان إلا نادرًا ، وكأنهما يلبسان ثوبا واحدًا .. وغريب مسلم .. ورمزى مسيحى .. ولكن الفنان الأصيل بطبعه .. لا يخطر على باله التعصب الدينى ولا يفكر فيه قط .. ولا يحسب حسابا لفارق الدين ..

أما المتعصب فساقط من المجموع .. ومحتقر من زمرة الأدباء وزمرة الشعراء والناس أجمعين ..

وكان غريب وهو المتزوج الوحيد فينا يولم لنا وليمة فى كل مولد نبوى .. بيته فى مساكن الشركة الواسعة بمصر الجديدة .. ولم يكن الأستاذ شاكر يحضر معنا هذه الوليمة .. لانشغاله بكتبه ومقالاته .. وكنا نجد الفرصة فى غيابه للاشادة بكتبه ومقالاته .. وأسلوبه الفذ المتفرد الذى أكتسبه من اطلاعه الواسع الدقيق فى كل ما كتبه بلغاء العرب .. وحرصه الشديد على اختيار الألفاظ وسلامة الجملة وبلاغة المعنى ..

وفجأة ودون تمهيد وجدت الأستاذ شاكر يحدثنى عن اصدار مجلة أدبية .. ولا أدرى متى نشأت فى رأسه هذه الفكرة واختمرت إلى حيز التنفيذ ..

والأستاذ شاكر إذا فكر فى شىء يندفع إليه بقوة .. عرفنى أنه قابل الأستاذ إسماعيل مظهر واتفق معه على معاودة إصدار مجلة " العصور " وبقوة الصاروخ وانطلاقه وجدته يجمع المقالات ويعد العدة لإصدار المجلة ..

وكنا نجتمع فى قهوة بورفؤاد .. وطلب منى قصة .. وكتابة القصة تستغرق منى وقتا طويلا قد يصل إلى شهر أو أقل أو أكثر .. حسب حالتى النفسية وتجاربى السابقة .. وهضم هذه التجارب والانفعال بها .. وخشيت ألا أستجيب لطلبه .. فأشعر بوخز ضمير شديد الوقع ..

ووفقنى الله فى كتابة قصة .. وقرأها وأنا جالس معه فى القهوة .. وتناقشنا فى بعض ألفاظها وهو دقيق للغاية فى سلامة التراكيب واختيار الألفاظ المناسبة للمعانى .. وقد تعلمت منه اختيار اللفظ الذى يرسم الصورة الذهنية الدقيقة فى رأس القارئ .. ويرسمها بوضوح دون غموض أو لبس ..

وفى الجلسات التالية .. جاء معه المرحوم سعيد العريان وكان الأستاذ شاكر قد اتفق على طبع المجلة فى مطبعة مجلة الإسلام وصاحبها أمين عبد الرحمن .. فانتقلنا إلى المطبعة بشارع محمد على ..

وكنت أشـعر بسعادة غامرة .. وأنا أشاهد دوران المطبعة عن قرب .. وخروج الملازم مطبوعة .. والأستاذ شاكر مستبشر ضاحك .. وسعيد العريان يبتسم فى وداعة واستبشار .. والسعادة بادية فى الجو كله على وجه الطابع والناشر وصاحب المجلة الجديدة ..

وكنا نحن الثلاثة نكتب فى مجلة الرسالة .. ولم نشعر قط بوخز الضمير فقد كان الجو الأدبى يتسع لعشرات المجلات الأدبية ..

ولكنا علمنـا أن أستاذنا الزيات تأثر .. وتضايق وخشى من المنافسة .. لأن العصور أخذت الكثير من كتاب الرسالة ..

وصدر العدد الأول من مجلة العصور فى عهدها الجديد ورئيس تحريرها الأستاذ شاكر .. صدر فى طباعة جميلة وإخراج أجمل ومقالات قيمة .. ونفد المطبوع جميعه وزادت فرحة الأستاذ شاكر فلم يكن يتوقع مثل هذا الانتصار .

وأخذ يعد العدة بكل طاقته للعدد الثانى .. وكان المرحوم سعيد العريان أكثرنا فرحا .. وكان هو الذى يراجع بروفات الطبع .. وقرأ قصتى وأبدى رأيه فيها .. وظلـت صلتى به قوية من وقتها إلى أن سافرت فى بعثة وزارة التربية .. كأديب .. إلى الهند والصين واليابان .. وكان هو فى ذلك الوقت وكيل وزارة التربيـة .. فوجدته يذكر الصلة القديمة بكل ما فيها من ود وصفاء .. وسر جدا لوجودى فى هذه البعثة .. وقد ذكرته بالخير كأديب عربى أصيل فى كل مكان حللت فيه ..

علمنا أن الزيات تضايق من صدور مجلة " العصور " ولم نكن نفكر فى هذا قط ولا نتوقعـه لأن الجمهور كان يقبل على قراءة المجلات الأدبية بشكل مثير ..

ولم يكن الأستاذ شاكر من طبعه التراجع .. فأقبل على إصدار العدد الثانى بالحماس الذى صدر به العدد الأول ، وفى نفس المطبعة ..
ونفد العدد الثانى كما نفد العدد الأول ..

والأستاذ شاكر طويل القامة فى نحافة .. حاد الصوت والنظرة ، فيه عنف العربى إذا أثير .. ولكنه مع صلابته يلقاك بالبشاشة والود .. وما لقيته إلا مبتسما .. وحتى بعد هذا الانقطاع الطويل .. عندما قابلته فى اتحاد الكتاب منذ سنتين .. وجدت فى قلبه وعينيه نفس الابتسامة ونفس الود القديم ..

والأستاذ شاكر كأديب من أعلامنا نفخر ونعتز به ، يكن لاثنين بالمودة الخالصة .. فؤاد صروف ويحيى حقى ..

وفؤاد صروف لأنه عالم وأديب .. وعندما تولى هو وشاكر اخراج النسخة العربية من مجلة المختار ، كان المختار فى عهدهما درة من الدرر التى تقرأ بالعربية لحسن الاختيار ودقة الترجمة ورصانتها والاحتفاظ بروح الكاتب الأجنبى وأسلوبه وفنه ..

ويحس القارىء بالفارق الكبير بين عهدهما وعهد من جاء بعدهما ..

ومع هذا فقد سمعت من الأستاذ شاكر .. أنه كان يتمنى ألا يسند إليه هذا العمل وأرجعت ذلك إلى وطنيته المشتعلة فى نفسه دوما ، ولكرهه الشديد للإنجليز المستعمرين لبلادنا وقتها .. ولأن بعض الأجانب الآخرين كانوا ذيولا لهم ..

أما يحيى حقى فيكن له بالمودة لأنه صديقه ويؤمن به ككاتب وأديب فى طليعة كتابنا ..

ولسبب لا أعرفه أنا ولا المرحوم سعيد العريان لم يصدر العدد الثالث من مجلة " العصور " ..

وكانت صدمة تلقيناها بالصبر والتأمل .. ككل الصدمات فى حياتنا ..

==================================
نشرت الذكريات فى مجــلة الثـقافة ـ السنة السـابعة ـ العـدد 78 ـ مارس 1980 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

==================================

محمود محمد شاكر و مجلة العصور

(6)
ذكريات مطوية
محمود محمد شاكر ومجلة العصور
بقلم محمود البدوى

التقيت بالأستاذ محمود محمد شاكر فى مجلة الرسالة للزيات فى أول عهدها بالصدور .. وكانت فى حى عابدين .. وكان الزوار من الأدباء والشعراء قلة .. لأن الأستاذ الزيات يريد أن يتفرغ لعمله الذى يقوم به وحده .. ولأن معظم المقالات ترد بالبريد .. والبريد مفخرة لمصر فى الدقة والنظام ..

وفى هذا الجو الهادىء تحدثت مع الأستاذ شاكر .. وتفتحت نفسى له .. وتعدد اللقاء .. ثم أصبحت أزوره فى بيته ..

وكان يسكن فى ذلك الوقت فى أقصى أطراف ضاحية مصر الجديدة من الناحية الغربية .. وكان بيته نهاية البيوت فى تلك المنطقة .. وأمامه فضاء واسع .. ورمال بيضاء شهباء لاتغفل عنها عين الشمس ..
ثم خزانات المياة التى تغذى الضاحية الجميلة ..

والجلوس فى شرفته بعد غروب شمس الصيف .. متعة للبصر وراحة للنفس .. فمن هذا الفضاء الفسيح تهب نسمات الغروب منعشة وصافية وطليقة لا تحدها عمارات ولا مداخن .. ولا يزعج المتأمل فى السكون الشامل .. ضجيج السيارات ولا زعيق الباعة ..

ان هذا الشارع يسمى الآن شارع عبد العزيز فهمى .. ويسير فيه المترو المسمى بنفس الاسم إلى أطراف واحة عين شمس ..!

وكان الأستاذ شاكر يقيم فى الطابق الرابع إذا أغفلنا الأرضى ..

وفى شرفته الواسعة المطلة على الصحراء .. جلسنا وشربنا الشاى وتحدثنا عن الأدب ورجاله .. وكان يقوم على خدمته طباخ فوق الخمسين من عمره .. كان فى بيت والده وأخذه الأستاذ شاكر بعد وفاة المرحوم الوالد .. وأبقاه عنده .. ولحرص الأستاذ على كتبه العربية النادرة والوثائق الأدبية التى لا تقدر بثمن .. كان من العسير عليه أن يستخدم غيره فى بيته .. والكتب تملأ الصالة ، وحجرات المنزل من الأرض إلى السقف .. وكان المكتب فى حجرة على يسار الداخل وفيها يطالع ، ويكتب لقراء العربية روائعه ..

وكنت اصطحب معى فى الزيارة التى كانت تحدث غالبا مع غروب شمس يوم الجمعة وفى أيام غير متقاربة .. المرحوم الدكتور أحمد عبد المنعم البهى الأستاذ السابق بكلية الشريعة جامعة الأزهر .. والذى كان سكرتيرا لتحرير جريدة المصرى حتى وهو طالب ..
كنت أصطحبه أو أرافق المرحوم هلال شتا الموظف بمجلس الأمة ..

وكان الاثنان من أشد الناس اعجابا بالأستاذ شاكر فيما ينشره بالمقتطف والرسالة ..

وكنا نجد عنده الشاعر محمود حسن اسماعيل .. وكان قليل الحديث سارحا فى تأملاته .. ولا نرى فيه إلا شعرا هائجا منفوشا وعينين حمراوين تدوران كالزئبق الرجراج ..

وقد رافقنى المرحوم محمود حسن اسماعيل .. والشاعر الفنان صلاح عبد الصبور فى بعثة ثقافية عام 1973 إلى تفليس .. والشاعران صديقان حميمان من قديم الزمن .. وكنت أحسبنى سأكون دخيلا عليهما فى هذه البعثة .. ولهذا شعرت بالتحفظ الذى هو من أخص طباعى .. ولكن بعد ساعة واحدة من وصولنا إلى هناك وجدت فيها من نبالة النفس ، وسماحة الخلق .. ما يجل عن الوصف .. وكان صلاح عبد الصبور من الكرم الحاتمى إلى الحد الذى جعلنى أسأله هل هو شرقاوى أو صعيدى ، فإذا هو يجمع بين الاثنين معا !!..

فقد غطى كرمه وتفتحه النفسى على الوفد الذى معه .. " وكنا نرى فى وجوه المسلمين فى تفليس السرور الذى شاهدوه فى أعيننا وقلوبنا .. ولما دخلنا المسجد فوق الربوة التى غطتها الثـلوج .. انزوى محمود حسن اسماعيل فى ركن وتوهجت عيناه .. وعند ئذ أدركت أن هاجسه الشعرى قد هبط وتملكه ..

وكان الأستاذ شاكر يقول لنا .. بعد شرب الشاى .. وصلتنى اليوم قصة من يحيى .. يقصد الأستاذ يحيى حقى .. ( وكان وقتها فى الخارج بالسلك السياسى ) .. وكان يحيى يبعث له بالبريد قصة .. لنشرها فى المجلة التى يختارها الأستاذ شاكر ..
ولا يزال يردد .. يحيى قال .. يحيى فعل ..

وكان الأستاذ شاكر معجبا بصديقه يحيى إلى الحد الذى يتصور معه المستمع أنه لايوجد كاتب فى مصر يكتب القصة مثل يحيى حقى ..

والأستاذ شاكر رهين كتبه وهو مثل الجاحظ لايبرح بيته إلا نادرا .. ولكنا لسبب لا نعرفه أصبحنا نتلاقى فى قهوة بور فؤاد ثم فى قهوة بشارع دوبريه ( تحولت الآن إلى متجر ) وكان يحيى حقى .. يجيىء فى الأجازات إلى هذه القهوة ..

وقد رأيته لأول مرة فألفيته وديعا رضيا قليل الكلام .. ولا أدرى كيف انطلق فى هذه الأيام وأصبح من خطباء الإذاعة ..!!

وفى القهوة انضم إلينا طبيب الأسنان الدكتور رمزى مفتاح والمرحوم غريب والشاعر أحمد فتحى مرسى .. ورفيقه فى زمالة الحقوق والشعر الشاعر إبراهيم طلعت .. كلما جاء من الإسكندرية لعمل فى القاهرة .

وكان الدكتور رمزى يحضر بعد انتهاء عمله فى العيادة .. وحديثنا يدور عن الكتب الجديدة .. وكان الكثير منها للعقاد والمازنى .. وكان الدكتور رمزى .. وغريب لا يحبان العقاد كشاعر وينتقصان منه .. وأنا وهلال وفتحى مرسى وطلعت .. ندافع عنه بحرارة ككاتب وشاعر من أفذاذنا ومفاخرنا .. وقال لى هلال .. " إن غريب يكره العقاد .. لأنه اشتغل فى جريدة فيها العقاد .. وكان العقاد السبب فى نقص أجره الشهرى .. فحملها له وظل يحملها " ..

وكان غريب هجاءً من طراز نادر .. كما كان السبب فى غلق الكثير من الصحف والمجلات أيام صدقى باشا والوفد .. وقد جر معه المرحوم هلال .. الذى كان موظفا فى مجلس الأمة .. وكان يكتب معه المقالات السياسية ويوقعها باسم مستعار ..

وكانت هذه المجلات تصادر جميعها .. ولا تعيش أكثر من أسبوع .. الصـاعقة .. الضحى .. وغيرهما كثير .. وفى مجلة من هذه المجلات كتب " جبان خسيس " .. تحت رسم للرسام رخا .. سبا قذرًا فى صدقى باشا .. وظهر العدد وفيه هذه السبة الوقحة وسجن بسببها رخا خمس سنوات ..

وإلى اليـوم لا يعرف رخا .. ولا صاحب المجلة .. ولا المحررون فيها .. ولا عمال الطباعة .. من الذى كتب هذه السبة اللعينة ..

وما أصاب رخا .. أصاب المرحـوم هلال ولكن بطريقة أخرى .. اخف من السجن .. فقد مر السكرتير العام للمجلس الذى يعمل فيه هلال ( والمجلس وقتها وفدى والحكومة وفدية ) .. مر فى صباح يوم على مكتب هلال ( بعد وشاية من زميل ) فوجده يكتب بداية لمقال سياسى عنوانه " تحت اللواء " .. فالتقط المقال بخفة الثعلب .. ونقل هلال من مجلس الأمة .. إلى كاتب قيودات فى أرشيف مديرية الجيزة .. وقد لاقى المسكين العذاب الأكبر من جراء هذا النقل .. وقد استغرقته فحولته عن الأدب مع أنه بدأ بداية طيبة وكان يمكن أن يكون له شأن لو استمر فى طريقه الأول ..

وتحت اللواء يعنى تحت العلم المصرى .. ولا أدرى الذى كتب فى سياق المقال ، وكان السبب فى العقاب ..!

ولم تكن هذه الحوادث درسًا ملموسًا لى لأبتعد عن السياسة وعن الكتابة فى هذه المجلات .. فأنا بطبعى وتكوينى الخلقى لا أحب السياسة ولا الأحزاب وأكرهها كره الأعمى للحفر فى الطريق .. ولا يمكن لإنسان يحب العزلة ليقرأ ويكتب أن يشترك مع الجماهير فى ضجيجها وصخبها .. على أى صورة من الصور .. وحب الوطن ومن خدمه بإخلاص وأمانة من رجالنا الأفذاذ عبر التاريخ كله .. سيظل محل الاحترام والتقديس ما دامت الحياة ..

وأبطالى مصريون خلص .. وما أشرت فى أية قصة من قصصى إلى شخصية وفدية أو سعدية أو خلافهما .. فالذى يجابه الاستعمار ويحـاربه أيام الاستعمار الإنجليزى هو مصرى خالص المصرية ..

وكان غريب الذى درس فى الأزهر .. متفقا فى المشارب والذوق الأدبى واختيار أروع القصص .. مع الدكتور رمزى الذى درس فى طب الأسنان بمصر .. وسافر كثيرا إلى لندن .. وليس فى هذا غرابة .. فالذوق السليم يأتى من الفطرة .. وبالسليقة ..

وكلما كان الإنسان عميق التفكير .. بعُد نظره وحسن اختياره ، ولهذا التوافق فى المشارب ، كان الاثنان لا يفترقان إلا نادرًا ، وكأنهما يلبسان ثوبا واحدًا .. وغريب مسلم .. ورمزى مسيحى .. ولكن الفنان الأصيل بطبعه .. لا يخطر على باله التعصب الدينى ولا يفكر فيه قط .. ولا يحسب حسابا لفارق الدين ..

أما المتعصب فساقط من المجموع .. ومحتقر من زمرة الأدباء وزمرة الشعراء والناس أجمعين ..

وكان غريب وهو المتزوج الوحيد فينا يولم لنا وليمة فى كل مولد نبوى .. بيته فى مساكن الشركة الواسعة بمصر الجديدة .. ولم يكن الأستاذ شاكر يحضر معنا هذه الوليمة .. لانشغاله بكتبه ومقالاته .. وكنا نجد الفرصة فى غيابه للاشادة بكتبه ومقالاته .. وأسلوبه الفذ المتفرد الذى أكتسبه من اطلاعه الواسع الدقيق فى كل ما كتبه بلغاء العرب .. وحرصه الشديد على اختيار الألفاظ وسلامة الجملة وبلاغة المعنى ..

وفجأة ودون تمهيد وجدت الأستاذ شاكر يحدثنى عن اصدار مجلة أدبية .. ولا أدرى متى نشأت فى رأسه هذه الفكرة واختمرت إلى حيز التنفيذ ..

والأستاذ شاكر إذا فكر فى شىء يندفع إليه بقوة .. عرفنى أنه قابل الأستاذ إسماعيل مظهر واتفق معه على معاودة إصدار مجلة " العصور " وبقوة الصاروخ وانطلاقه وجدته يجمع المقالات ويعد العدة لإصدار المجلة ..

وكنا نجتمع فى قهوة بورفؤاد .. وطلب منى قصة .. وكتابة القصة تستغرق منى وقتا طويلا قد يصل إلى شهر أو أقل أو أكثر .. حسب حالتى النفسية وتجاربى السابقة .. وهضم هذه التجارب والانفعال بها .. وخشيت ألا أستجيب لطلبه .. فأشعر بوخز ضمير شديد الوقع ..

ووفقنى الله فى كتابة قصة .. وقرأها وأنا جالس معه فى القهوة .. وتناقشنا فى بعض ألفاظها وهو دقيق للغاية فى سلامة التراكيب واختيار الألفاظ المناسبة للمعانى .. وقد تعلمت منه اختيار اللفظ الذى يرسم الصورة الذهنية الدقيقة فى رأس القارئ .. ويرسمها بوضوح دون غموض أو لبس ..

وفى الجلسات التالية .. جاء معه المرحوم سعيد العريان وكان الأستاذ شاكر قد اتفق على طبع المجلة فى مطبعة مجلة الإسلام وصاحبها أمين عبد الرحمن .. فانتقلنا إلى المطبعة بشارع محمد على ..

وكنت أشـعر بسعادة غامرة .. وأنا أشاهد دوران المطبعة عن قرب .. وخروج الملازم مطبوعة .. والأستاذ شاكر مستبشر ضاحك .. وسعيد العريان يبتسم فى وداعة واستبشار .. والسعادة بادية فى الجو كله على وجه الطابع والناشر وصاحب المجلة الجديدة ..

وكنا نحن الثلاثة نكتب فى مجلة الرسالة .. ولم نشعر قط بوخز الضمير فقد كان الجو الأدبى يتسع لعشرات المجلات الأدبية ..

ولكنا علمنـا أن أستاذنا الزيات تأثر .. وتضايق وخشى من المنافسة .. لأن العصور أخذت الكثير من كتاب الرسالة ..

وصدر العدد الأول من مجلة العصور فى عهدها الجديد ورئيس تحريرها الأستاذ شاكر .. صدر فى طباعة جميلة وإخراج أجمل ومقالات قيمة .. ونفد المطبوع جميعه وزادت فرحة الأستاذ شاكر فلم يكن يتوقع مثل هذا الانتصار .

وأخذ يعد العدة بكل طاقته للعدد الثانى .. وكان المرحوم سعيد العريان أكثرنا فرحا .. وكان هو الذى يراجع بروفات الطبع .. وقرأ قصتى وأبدى رأيه فيها .. وظلـت صلتى به قوية من وقتها إلى أن سافرت فى بعثة وزارة التربية .. كأديب .. إلى الهند والصين واليابان .. وكان هو فى ذلك الوقت وكيل وزارة التربيـة .. فوجدته يذكر الصلة القديمة بكل ما فيها من ود وصفاء .. وسر جدا لوجودى فى هذه البعثة .. وقد ذكرته بالخير كأديب عربى أصيل فى كل مكان حللت فيه ..

علمنا أن الزيات تضايق من صدور مجلة " العصور " ولم نكن نفكر فى هذا قط ولا نتوقعـه لأن الجمهور كان يقبل على قراءة المجلات الأدبية بشكل مثير ..

ولم يكن الأستاذ شاكر من طبعه التراجع .. فأقبل على إصدار العدد الثانى بالحماس الذى صدر به العدد الأول ، وفى نفس المطبعة ..
ونفد العدد الثانى كما نفد العدد الأول ..

والأستاذ شاكر طويل القامة فى نحافة .. حاد الصوت والنظرة ، فيه عنف العربى إذا أثير .. ولكنه مع صلابته يلقاك بالبشاشة والود .. وما لقيته إلا مبتسما .. وحتى بعد هذا الانقطاع الطويل .. عندما قابلته فى اتحاد الكتاب منذ سنتين .. وجدت فى قلبه وعينيه نفس الابتسامة ونفس الود القديم ..

والأستاذ شاكر كأديب من أعلامنا نفخر ونعتز به ، يكن لاثنين بالمودة الخالصة .. فؤاد صروف ويحيى حقى ..

وفؤاد صروف لأنه عالم وأديب .. وعندما تولى هو وشاكر اخراج النسخة العربية من مجلة المختار ، كان المختار فى عهدهما درة من الدرر التى تقرأ بالعربية لحسن الاختيار ودقة الترجمة ورصانتها والاحتفاظ بروح الكاتب الأجنبى وأسلوبه وفنه ..

ويحس القارىء بالفارق الكبير بين عهدهما وعهد من جاء بعدهما ..

ومع هذا فقد سمعت من الأستاذ شاكر .. أنه كان يتمنى ألا يسند إليه هذا العمل وأرجعت ذلك إلى وطنيته المشتعلة فى نفسه دوما ، ولكرهه الشديد للإنجليز المستعمرين لبلادنا وقتها .. ولأن بعض الأجانب الآخرين كانوا ذيولا لهم ..

أما يحيى حقى فيكن له بالمودة لأنه صديقه ويؤمن به ككاتب وأديب فى طليعة كتابنا ..

ولسبب لا أعرفه أنا ولا المرحوم سعيد العريان لم يصدر العدد الثالث من مجلة " العصور " ..

وكانت صدمة تلقيناها بالصبر والتأمل .. ككل الصدمات فى حياتنا ..

==================================
نشرت الذكريات فى مجــلة الثـقافة ـ السنة السـابعة ـ العـدد 78 ـ مارس 1980 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006

==================================

مجلة العروسة تعود من جديد

(7)
ذكريات مطوية
مجلة العروسة تعود من جديد
بقلم محمود البدوى


لا أدرى كيف وقع علينا الأخ " طلبة " الاسم مستعار .. ومن أى كوكب هبط .. وكان الأخ طلبه يعمل مندوبا للإعلانات فى الصحف المصرية وكان كثـير الحركة دؤوبا متنقلا يقع على فريسته من أول جولة .. وكنا فى مجلسنا فى مقهى بور فؤاد .. عندما جاءنا ذات مساء وقال لنا إن دار اللطائف قررت إعادة إصدار مجلة العروسة بعد إحتجابها الطويل وعهدت إليه هو أن يختار هيئة التحرير ..

وقد اختارنا وهو على يقين بأننا لن نرفض هذه الفرصة الذهبية .. فالمجلة معروفة فى السوق ورئيس تحريرها من أعلام الصحافة .. وعودتها محررة بأقلامنا ستكون إنتصارًا لنا ونحن فى بواكير الشباب ..

وكان رئيس التحرير معروفا جدا فى الوسط الصحفى .. فلم تكن هناك حاجة لرئيس تحرير جديد ..

وكان الأخ طلبة على صلة بواحد منا ويعرف مكاننا من المقهى الذى نجتمع فيه كل مساء .. ويعرف أننا جميعا من أدباء الشباب المشتعلين حماسة للكتابة والنشر .. وفينــا شـاعران .. فتحى مرسى .. وإبراهيم طلعت .. وأديبان .. هلال شتا وأنا ..

ووافقنا نحن الأربعة على العرض فى أول جلسة فى المقهى ولم نحدد الأجر .. ولكنا اشترطنا شرطا واحدا .. شرطا قاطعا وهو أن لا يتدخل أحد فى الدار مهما تكن صفته فى التحرير .. ووافقوا على ذلك ..

وفى مساء اليوم التالى إجتمعنا وذهبنا إلى الدار .. وكانت فى عمارة بباب اللوق بجوار محطة حلوان .. وصعدنا إلى مقر المجلة ..

وكان المقر جميـل التنسيق ونظيفـا والحجرات واسعة والمكاتب أنيقة ..

ولاحظنا لافتات بصيغة الأمر على الحوائط والأبواب .. لا تدخن فى المصعد .. لا تفتح باب المصعد أثناء حركتـه .. إضغط على الزر هكذا .. لا تشد السيفون بعد الساعة .. وكثير غير ذلك من الأوامر والمحظورات ..

ولما كان مقر المجلة نظيفا ومرتبا ورائع التنسيق فإن هذه اللافتات لم تضرنا فى شىء .. وإن أضحكتنا .. ولكن أثرها كان واضحًا وبارز النتيجة ، فدور الصحف التى دخلناها قبل هذه الدار كانت مثالاً للفوضى وسوء النظام .. فالمطبوعات ملقاة على الأرض ، والمكاتب يعلوها الغبار ، والنوافذ والأبواب فى غاية القذارة .. فلماذا نضحك على النظام ..؟

***

وبدأ العمل من جانبنا فى إخراج المجلة وتحريرها .. وكان عندهم فى الأرشيف مجموعة طيبة من الصور .. فأخذنا نختار ما يلائم العروسة .. وبرز التجـديد والابتـكار واضحين فى طريقة عرض الصور وفى التحرير ..

وكنا نشترى المجلات الأجنبية من القروش التى فى جيوبنا علاوة على المجلات التى عندهم وما أكثرها .. لنتخذ منها المثل .. ولنثبت وجودنا كمحررين مجددين نحمل الذوق الفطرى إلى التجويد والتطور ..

واخترنا الموضوعات السهلة وترجمنا الجيد السهل مما يهم المرأة فى زينتها وحياتها اليومية ..
وصدر العدد الأول .. وكان من الأعداد الجميلة ..

***

وكان العدد الثانى معدا .. ولكنا إشترطنا أن نتفق على الأجر وأن نقبض ثمن العدد الأول قبل صدور العدد الثانى .. وحدثنا الأخ " طلبة " بذلك ونحن فى مكاننا من المقهى .. ورأى الإصرار فى وجوهنا ، فغاب عنا يومين وفى اليوم الثالث دس فى يد أحدنا ظرفا مغلقا وشرب القهوة وخرج .. ولما بارح المقهى فتحنا الظرف وإذا بداخله ورقة واحدة بخمسين قرشا .. وبهتنا .. ولكنا ضحكنا بعد المفاجأة كثيرا ..

فقد خدعنا الملعون بنذالة ، وأخذنا نفكر فى تقسيم المبلغ .. ورأينا أن نعطيه لمن يدخن منا نحن الأربعة .. ولما أدركوا أننى سأصبح المظلوم الوحيد .. عدلوا عن ذلك وتعشينا بالمبلغ من كباب الحسين وشربنا الشاى الأخضر عند الفيشاوى ..

***

وافترقنا بعد العشاء .. ورأيت أن أذهب إلى بيتى ماشيا وأستمتع بقاهرة المعز الجميلة فى هدأة الليـل .. وكنت أسكن فى شارع قدرى بالسيدة زينب .. فرأيت أن أسير من الغورية إلى المغربلين ثم اخترق شـارع محمد على إلى الحلمية الجديدة .. ومنها إلى شارع قدرى ..

وكان رأسى يشتعل بقصة رأيت أن أكمل خطوطها فى رأسى قبل تسطيرها على الورق .. ويسهل على ذلك وأنا سائر وحدى ..

وفى الصباح بدأت فى كتابة القصة ، وكان الجو حارًا وبالغ الحد فى حرارته .. ومع ذلك واصلت الكتابة لأن القصة كانت تجربة قاسية فى عربة من عربات الموتى فى الليل والظلام والوحشة والكآبة ..

وكانت الكآبة تلفنى وأنا أكتب .. فحاولت التخلص منها بالكتابة ولهذا واصلت العمل حتى الساعة الثالثة بعد الظهر ..

وسمعت وأنا أكتب نقرا على الباب .. فتحركت إليـه .. وفتحتـه .. ووجدت عاشور عليش على الباب .. وكانت هـذه أول زيارة له .. واللقاء الثانى بيننا ..
ودخلنا إلى المكتب .. ووجدنى أكتب ..

فسألنى :
ـ قصة جديدة ..؟
ـ أجل ..
ـ وأنا جاى عاوز قصة ..

وفهمت من عاشور .. أن جريدة يومية كبرى .. تريد أن تخرج مجلة إسبوعية على غرار مجلة آخر ساعة .. وعهدت إليه مع صحفى آخر بجمع مواد هذه المجلة الجديدة وإخراجها ..

وسألته :
وما اسم هذه المجلة الجديدة ..؟
ـ كليوباترا ..
ـ ومتى ستصدر ..؟
ـ فى أول الشهر ..
ـ هكذا بسرعة ..
انتهى الأمر إلى هذا ..
وأنا لا أحب أن تقلد مجلة مجلة أخرى .. والمجلات التى خرجت لتقلد من قبلها .. لم تعش طويلا وماتت ..
وأعطيته بعد يومين القصة التى كنت أكتبها ..

وصدرت المجلة ونشرت القصة برسم جميل يعبر عنها .. ولكنى شعرت بغصة فى حلقى وأنا أقرأ الجزء الأخير منها .. فقد حدث خلط فى الجمع والتوضيب .. وتقدمت فقرات من القصة على فقرات ..

وأصبحت القصة فى نظرى غير مفهومة .. ولكن هذه الحساسية الشديدة نحو القصة لم يلاحظها سواى لأنى المؤلف .. أما القراء وحتى عاشور .. الذى اعتاد على مثل هذا الخلط .. لم يلاحظ شيئا ذا بال غير من صلب القصة ..

أما أنا فقد بقيت مرتاعًا إلى أن نشرت القصة على وجهها الصحيح فى كتاب " العربة الأخيرة " ..

وكنت بالإسكندرية يوم صدر العدد الأول من مجلة كليوباترا الذى نشرت فيه القصة ، وقابلت هناك مصادفة فى محطة الرمل المرحومين هلال وغريب .. ولم يلاحظا سرورى بالقصة ..

وقال غريب لهلال :
ـ محمود .. هكذا أبدا .. لا يدرك الجيد الذى يكتبه قط وقد يعجب بأقل القصص قدرا .. ولكن الجيد المميز لا يدركه أبدا .. ويظل فى وسواسه ..

وكان حقا ما يقول .. فما أعجبت بشىء كتبتـه قط .. وقد يأتى الإعجاب عرضا لفترة قصيرة ثم يذهب لأن القصة كتبت فى جو كنت أحبه .. أو أن أشخاص القصة لهم أثرهم فى نفسى ..

وتريحنى القصة بعد كتابتها ونشرها راحة نفسية مطلقة ، ثم ما يلبث أن يعاودنى القلق مما أحس فيها من قصور ونقص لم أدركه ساعة الكتابة وقبل النشر وأظل فى هذه الدوامة المعذبة أدور .. وأدور ..

وعاشور عليش خلية نشاط ليس لها من ضريب وهو يفتح لك الأبواب المغلقة ويعديك بحماسه ونشاطه .. وهو معروف فى وسطه الصحفى وبين أقرانه بأنه أستاذ الأساتذة فى " توضيب " الصفحة ووضع العناوين الملفتة للأنظار .. فنان أصيل ..

وقد اشتغل فى السوادى والزمان والمساء والجمهورية ..

وفى الزمـان كان معه عبد العزيز الدسوقى .. وعبد العزيز الدسوقى .. انسان نبيل الصفات .. وما شاهدته إلا باسما .. حتى فى أشد ساعاته انشغالا بالعمل .. باسما ومرحبا .. وهما خصلتان لا تجدهما إلا لمن تربى فى حضن الريف .. ونبع من عراقة وأصالة ..

فى الزمان عرفت عبد العزيز الدسوقى لأول مرة .. وظل مع نهجه وطبعه منذ عرفته .. يسعده أن يعطى أصدقاءه من كرمه وخيره ولا يأخذ ..

ولما رأيت بعـد ذلك بسنين أن أهديه مجموعة قصصية كان السبب فى نشرها ، لأنى بطبعى لا أتحرك لناشر .. وجدته قد رفع الإهداء دون أن أعلم .. وحال بينى وبين التعبير بالشكر عن كل ما غمرنى به من معروف ..

وفى جريدة الزمان كنت ألقاه هو وعاشور عليش .. وأشعر براحة كبرى مع أنى لم أتقاض طوال صدور الزمان مليما واحدا أجرا لقصة ..
ولكن كنت أحس بوجودى كأديب وكاتب قصة ..

وهما اللذان فتحا نفسى وقلبى للكتابة فى بكائر أيامى .. وما شعرت معهما إلا بالوفاق والتشجيع على مواصلة السير فى طريقى ..

وكان عاشور عليش بعد سكنه فى مصر الجديدة يسأل عن سبب انقطاعى كلما شعرت بالكآبة النفسية وتوقفت ، وما يزال بى حتى يجعلنى أتحرك من جديد ..

ولما قامت الثورة سنة 1952 كان عاشور عليش أول المتحمسين لها والمعجبين بها ، فألف كتابا سماه " القسم " كان طابعه وناشره ..

وخسر فيه الكثير .. ولكن حبه للثورة جعله ينسى الخسارة ..

وظل على نهجه وحماسته وقوة دفعه .. وكلما التقيت به دفعنى إلى الكتابة وأشعل فى قلبى الحماس والأمل إلى شىء جديد ..
وفى ضوء هذا الأمل نعيش ونكتب ..
=================================
نشرت فى مجلة الثقافة ـ العدد 83 ـ أغسطس 1980 وأعيد نشرها فى كتاب " ذكريات مطوية " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
=================================